عزيزي سيزيف
كلما قرأت لك مداخلة تأكدت من موسوعية ثقافتك وعمقها، وعندما يكون ردك في موضوع يخصني أسعد بقدر ما أستفيد مما تطرحه، ولم أتصور أن هناك من سيعلق على الموضوع بشكل تخصصي يدل على وعي كبير بعلم العلامات (السيميولوجي) ، ودعني أستعرض مداخلتك هادفًا لتوضيحها للزملاء أكثر من حرصي على مناقشتها، فأنا أجدها بصراحة صعبة على من لم يقرأ عن هذا العلم من قبل.
بداية دعنا نتسائل مع فوكو في كتابه ( مولد العيادة ) .. " هل لابد ان تعامل الأشياء التي تقال في مكان آخر ومن قبل آخرين طبقا لعلاقة الدال والمدلول فقط .. كما لو انها سلسلة من التيمات التي توجد الواحدة منها ضمنا مقابل الأخرى ! "
والجواب بالتأكيد هو .. لا
أردت أن أوضح أن الكلمة المحورية في هذه الجملة هي (في مكان آخر) ، فالعلاقة بين الدال والمدلول اصطلاحية ومرتبطة باتفاق ضمني، لذا ترتبط بالزمان والمكان بشكل كبير، ولمن كان المصطلح غريبًا عليه أقول أن الدال هو علامة ما تعكس صورة (مدلول) في الذهن، والعلامة ممكن أن تكون لفظة أو غير ذلك، فكلمة (شجرة) هي دال مدلولها الصورة التي ترتسم في ذهنك حالما أقولها، وبذا فلا توجد علاقة حقيقية بين الدال والمدلول، وإنما العلاقة اصطلاحية.
اعتقد ان المصطلح في اعمق تحليل ممكن له هو منتوج لنزوح الوعي البشري نحو تمييز مقولات وألفاظ معينة من اجل بناء منظومة رمزية لتصبح مفاتيح دالة و إيماءات مميزة تحيل إلى مفاهيم و سياقات متفق بشأنها على مستوى فئة معينة من البشر وبحقبة معينة من الزمان .
ولذلك قرأنا بعض النظريات الحديثة التي تحيل جذور نشأة المصطلح الى دوافع نخبوية في الأساس او فئوية ..
متفقين تمامًا.
فانا ارى باختصار ان الواقع الحالي بمتغيراته السياسية والاجتماعية الثقافية وعلى خلفية هيمنة شبه كاملة قد تحول بالمصطلح وسطوته من الفئوية او النخبوية الى العالمية والتدويل وبمساعده مسارات الميديا الإعلامية الموجهة .
لا أرى تعارضًا بين تدويله وجعله عالميًا وبين فئويته أو نخبويته من جهة المصدر، وأوافقك إن كنت تقصد بالفئوية المحدودية بزمكان معين.
قد نتفق ان المصطلح ( اي مصطلح ) هو في جوهره عباره عن دال ومحمول او بعبارة اخرى لا تخلو من التسطيح .. وصف وموصوف
فهل حقا تعبر الاشكال اللغوية عن مسمياتها !
هنا أشعر أن لديك خلط بين اللفظ والمصطلح، وما عنيته المصطلح المدروس والموجه بعمق، وصدقني أنا أفهمك تمامًا، فقد قرأت كل أعمال سيزا قاسم

وأوافقك أن الأشكال اللغوية لا تعبر عن مسمياتها، ولكن فهم الآلية التي يعمل بها المصطلح في الوعي الجمعي تجعلك قادرًا على خلق وعي عن طريق توجيه المصطلح بشكل أو بآخر.
وإذا دخلت ( كارثية ) الإصطلاح معرفيا .. اي منح اللفظ معنى مغايرا بحكم إعتبارات خاصة تاريخية او ثقافية او ... يكون الأمر اكثر صعوبة بل ويقترب من الإستحالة في سبيل إقتناص مدلولا متعال على النقد دون وجود ثوابت يمكن الإرتكان عليها كمقياس او كمعيار .
يا سلام عليك ولد على رأي علي الكسار

على سبيل المثال ..
الجهاد .. كمسمى أصولي بامتياز يحض عليه النص المقدس وتغرق حدوده ووضع تعريف جامع مانع له في الآف التفاصيل الفقهية والإجتهادات الإفتائية ..
المقاومة .. وذلك على خلفية وجود إحتلال ( الحالة الفلسطينية او العراقية كمثال ) وبملاحظة بسيطة سوف نكتشف ان الخطاب الديني ( الجهادي ) يكون حاضرا وبقوة في هذا الفعل برغم اسبقيته على النص المقدس وبالتالي ما فرضه من حض على المقاومة ..
الفتح .. وهو مصطلح ايضا أصولي صرف تم إطلاقه على عدة غزوات وبعدها حروب خاضها نبي الإسلام ومن بعده خلفائه .. وهو هنا يحمل قيمة أعلى تسمى نشر الدين والأمر بالطبع هنا مقدس وعلوى .
ما اقصده مما سبق هو وضع هذا التساؤل ..
من وما الذي يحدد المصطلح وما يحمله من مدلولات !
وما هو المعيار الذي يتم الإرتكان اليه هنا !
وهل هذا المعيار ثابت ام متغير !
منك لله يا عم سيزيف، لقد طرحت موضوعًا عامًا وإن كنت أظنه صعبًا بعض الشئ، فعقدته أنت ولن نجد ردًا واحدًا بعد ذلك، على أية حال بالنسبة لتساؤلك الأخير فأعتقد أن ما يحدد المصطلح ومدلولاته عدة أطراف، من ضمنها اللغة، أي دلالة ألفاظه نفسها، ثم طبيعة الوعي السائد آنيًا ومكانيًا، ثم كيفية تقديمه من الجهات المؤثرة في الوعي كالإعلام، ولكن هذا لم يكن مقصدي من الموضوع، فقد اهتممت بمصدر المصطلح وليس بالمحدد لمدلولاته، فمن قدم هذا المصطلح واعي تمامًا بآلية عمله في الوعي، كيف سيستقبله وكيف سيعيد إنتاجه مرة أخرى، وذلك مرتبط بأنه يمتلك أجهزة قادرة على تقديمه بكم وكيف مناسبين للهدف.
العزيز أبو العلاء
كلك ذوق يا رفيق

أنا باضحك معاك بس ياعم
