العزيز أبو لهب
لقد أعدت قراءة الموضوع عدة مرات لأفهم ما أحزنك، وقرأت ردك مرارًا لأفهم الخلاف الجوهري ولم أجده، كل ما وجدته بالفعل هو التباس أظن أنني السبب فيه، فبعض الفقرات
سؤالك هنا "يوحي" ، ولو على مستوى أعلى ، باللازمة الإسلامية المعروفة : المشكلة ليست في الإسلام ولكنها في المسلمين. ومع أنك تخرج من هذه "التهمة" في السطور التالية إلا أني سأسترسل قليلا.
أنت هنا تقع في نفس الإشكال الذي بدأت به موضوعي، أنت تتعامل مع الإسلام كشئ، المشكلة ليست في الإسلام بالطبع لأنه لا يوجد ما يسمى بالإسلام، المشكلة بهذه القراءة المغيبة للعقل، وعندما أقول المشكلة فأعني مشكلة الشعوب القاطنة بالدول الإسلامية، ولكن لأفترض تبني مجتمعاتنا لقراءة أكثر إعلاءً للعقل واتساقًا مع متغيرات الواقع، هل سأؤمن وقتها بالإسلام؟؟ بالطبع لا، فموضوعي منصب على النقد الذي يستخدم كمعول لهدم المجتمع وليس لهدم الإسلام، وفي النهاية نخرج من الحوار وقد تبادلنا العاهات فأطرشنا الخرس وخرسنا الطرشان.
هل يمكن فصل الإسلام عن المسلمين؟ هل الإسلام شئ له ماهية يتواجد في الكون المادي مستقلا عنا كشيئ مثالي يمكن أن نحسن أو نسيئ استخدامه ؟ أنا شخصيا أتبنى الرأي القائل أن الإسلام هو مجموع الفكر والحضارة التي يمارسها الناس الآن في زمننا هذا. والنظرة إليه أو التصور عنه يشابه قصة العميان الذين طلب منهم أن يصفوا الفيل بعد أن تحسسوا جسمه. وكما ذكر الزميل سيزيف بأبداع فإن هؤلاء "العميان" يتفاوتوا في دقة وصفهم تبعا "لبصيرتهم" ، ولهذا فإنه من الإجحاف أن يعابوا على نقدهم ، خصوصا وأن معظمنا لم تتح له الفرصة إلا في تحسس فيل الإسلام من تحت الأقدام.
هل الإجحاف أن يعابوا على نقدهم وليس من الإجحاف أن أعاب على نقدي لنقدهم؟؟ وهل هذا نقد يا سيدي الفاضل؟ النقد يعني التحليل والتفسير والتقييم وفق منهجية ما، وليس تصيد جملة من هنا وأخرى من هناك وطرحها بشكل حاد وبدون أن يستند الكاتب لقدر من المعرفة تؤهله حتى للنقاش حول وجهة نظره، صدقني يا عزيزي لو تقمصت دور المسلم لردت على 80% من "الشبهات" المطروحة هنا، وبشكل منهجي من داخل نفس المنظومة التي أعيبها، وأقصد أهل السنة، وفي النهاية أنا لم أنتقد الهجوم المجتزأ على إطلاقه، وذكرت نصًا أن له فوائد هامة لمجتمعاتنا، ولكني عبرت عن رفضي لأحد أشكال هذا الهجوم وهو للأسف الأكثر انتشارًا.
من الممكن أن نصف الإسلام بأنه كان ثورة ولكن هذه الثورة ككل الثورات فرضت بالقوة والقسر رؤية معينة على المجتمع العربي ، ومن موقعنا التاريخي الآن يمكن القول أن هذه الرؤية لم تكن أبدع ما كان يمكن أن يكون. فقط تخيل معي لو أن قريش تمكنت من فرض نظام دار ندوتها على العرب عن طريق الضغط الإقتصادي . وتختلف ثورة الإسلام عن غيرها من ثورات التاريخ من ناحية فرض ديمومتها بطريقة مبتذلة ربما يستحيل تغييرها
ما كان هو الإمكانية الوحيدة بدليل وقوعها، ومن وجهة نظري أن هذه الدولة لم يكن ممكنًا لها أن ترى النور في المجتمع القرشي وأرستقراطيته القبلية، ومحمد لم يكن أول من حاول تأسيس دولة ووضع قوانين منظمة للمجتمع في مكة، فقد سبقته محاولات باءت بالفشل الذريع، وأقربها لمحمد كانت محاولة عثمان بن الحويرث ابن عم ورقة وخديجة والتي انتهت باغتيال القرشيين له بالسم بالرغم من إقامته بدولة الغساسنة وقتها، ونظام دار الندوة القرشي ممثلاً في الملأ كان طبقي قبلي أرستقراطي، في حين أن نظام الشورى البديل الذي طرحه محمد سمح لبعض الأشخاص بالصعود بالرغم من عدم انتماء أيًا منهم لهذه الطبقة، مثل عمر بن الخطاب الذي وصل لأعلى منصب معروف وقتها، أنا لا أدافع عن نظام الشورى الإسلامي، ولكن مقارنة بنظام الملأ القرشي أراه أكثر تطورًا.
كيف حاولت فرض ديمومتها؟؟ إن كنت تقصد بردها لمبدأ أعلى فهذه الطريقة كانت الوحيدة في رأيي، ولا تنسى أننا نتكلم عن مؤسس دولة برجماتي، وليس عن منظر أخلاقي، وحتى بداية العصر العباسي الثاني كانت الأفكار السائدة هي أفكار المعتزلة التي تتعامل مع النص على أنه مخلوق مما يفقده بشكل أو بآخر الديمومة والجمود، وتصعيد قراءة أهل السنة لم يكن ناتجًا عن مناظراتهم كما طرح أغلب كتاب التاريخ، وإنما صاحب ظرفية سياسية واقتصادية احتاجت لهذه القراءة النصية، كما سيد الأمويون القراءة الجبرية وقتلوا من يقول بالقدر لتهديد هذه الأفكار لملكهم، إذًا نحن لدينا فعليًا عشرات القراءات للإسلام، بعضها نصي جامد وبعد ديناميكي متفاعل.
قراءة أهل السنة والجماعة هي "الأضعف والأكثر مهادنة والأقل إبداعا وثورية" ؟؟؟ كيف تقول هذا ثم تتبعه بالقول عن تقديمهم للنقل على العقل ومهادنتهم للحاكم مهما بلغ ظلمه؟ كيف لا ترى أن تهافت أهل السنة والجماعة هو المسؤول الأول عن أسقاطنا في مستنقعنا الآسن الذي لا زلنا نعيش فيه للآن ! في رأيي أن أهل السنة والجماعة قد أبدعوا بقرائتهم التي تصف في سحقنا إلى الحضيض النظري، ومن المغالطة الكبيرة أن تستخدم هذه النعوت المساومة لدورهم في إيصالنا إلى الوضع الذي نعيش فيه
لم أفهم أين التناقض هنا، وقراءة أهل السنة كما ذكرت صعدت لتردي أحوال الدولة ولموائمتهم مع هذا التردي حيث أن لديهم منظومة تبدو متسقة ويمكنها تدجين المجتمع، فهي إفراز ونتيجة في الأساس، بالطبع وككل الأفكار تعود لتصبح مدخلاً يسهم في تطور المجتمع بالسلب أو الإيجاب، ولا أعرف أين رأيت لي دفاعًا عن أهل السنة والجماعة، ولكن افترض معي أن الأحوال الاقتصادية والسياسية تحسنت في دولة مثل سوريا مثلاً، هل ستجد هذه القراءة مكانًا فيه؟ لا أظن، وهذا ما قصدته بأن الأزمة ليست في الدين تحديدًا.
الإجابة على كل هذه الاسئلة لا ، ولكن سؤالك هذا يتناسى حقيقة أساسية ، ولوضعه بطريقة صحيحة كان يجب أن يكون: "هل كان محمد النبي مشرع الأخلاق لكل العصور
سارق نياق؟ نعم
قاطع طريق؟ نعم
مغتصب أطفال ؟ نعم
دموي ؟ نعم
نافيا للآخر ؟ نعم
مسيحي مهرطق ؟ ربما لست متأكد
زئر نساء؟ نعم ، "وبامتياز"
أبا لهب ليس من المجدي أن ندور في هذه الحلقة للأبد، طرح (محمد النبي مشرع الأخلاق لكل العصور) هي قراءة يمكنها أن تتطور لو وجدت مناخًا مناسبًا للتطور.
أولا لقد بني الإسلام إلى حد كبير على اليهودية ومن ناحية فكرية وفلسفية فإن النقاش في هذه النقطة لن ينتهي ولكني أقول أن أي تطور على اليهودية نتج من مروءة وأخلاقيات ما يسمى بالجاهليين الذين نفاهم النبي محمد
هل حقا أن أخلاقيات الأسلام كانت أعلى من أخلاقيات الجاهليين؟ هل كان الإسلام أكثر نبلا ؟ أعتقد أنك في وضع ثقافي أفضل مني للإجابة على هذه الإسئلة. ولكني أقول أن محمدا النبي خرج ليقطع الطريق على قوافل قريش بغاية السلب ، ليس لسلب العير وحمولتها فقط ولكن لسلب ما هو أكثر عارا أن يسلب وهو حق قريش وما يسمى "بإرستقراطيتها" من حرية الإعتقاد والفكر والحركة ، أمور كانت قريش قد منحتها لمحمد ، وحتى لمحمد النبي، وهو بين ظهرانيها إلى حد بعيد
لا مكان في هذا الموضوع للأكثر أخلاقية والأكثر نبلاً، فنحن هنا نتحدث عن تأسيس دولة ووضع قانون، ومفاهيم حرية الاعتقاد ونفي الآخر مفاهيم لم يكن لها مكان في هذا العصر ولا في هذا المكان، وظنك أن قريش منحت لمحمد حرية الاعتقاد لخصلة فيها لا أتفق معك عليه، فقريش كانت تتاجر بحرية الاعتقاد، وعندما تجد تهديدًا حقيقيًا لمصالحها تلجأ للتصفية الجسدية مثل محمد تمامًا، وهو ما حاولته عندما أرادت استرجاع مهاجري الحبشة أو عندما قررت تصفية محمد عشية الهجرة، وقريش نفسها سلبت حق خزاعة في البيت على يد قصي لتتاجر به، فالحديث عن النبل والأخلاق ليس في محله على ما أظن.
ومعظم زيجات محمد محمد جائت في المدينة لأسباب تاريخية معروفة . فخديجة توفيت بوقت قصير قبل الهجرة (عامين؟) ، وبعد غياب هذه المرأة العملاقة بأيام قليلة، بدأ محمد بمسيرة التعدد في مكة. كما أن وصف مجتمع المدينة بالذكورية والفحولة قد يغاير الحقائق التاريخية ، وقد كنت قد طرحت موضوعا أتسائل فيه عن عدم زواج محمد لأي أنصارية ، وأعتقد أن الإجابة تكمن في أن مجتمع المدينة كان أموميا إلى حد ما ، وهذا يعني أنه كان فيه للمرأة نصيب كبير من الحقوق ، وإن صح هذا فإن زيجات محمد ، إن كان لها أسباب خارجة عن أرضاء شهواته الجنسية ، فهي تتعلق في سن القوانين لقمع المرأة المدينية
قرأت موضوعك جيدًا وأخالفك الرأي بخصوصه لعدة أسباب، أولاً لا وجود للعصر الأمومي في جزيرة العرب على حد علمي، ومجتمع يثرب بالأخص خاض حربًا داخلية امتدت لمائة عام، ومن الطبيعي أن تكون المجتمعات المتحاربة ذكورية لأهمية الذكر في هذه الظروف، ثانيًا وبحسب خليل عبد الكريم في بحثه مجتمع يثرب أن القرشيين كانوا يستخدمون لوصف العملية الجنسية كلمات مثل (المباضعة والملامسة والمناكحة ...) وكلها أفعال يشترك بها طرفين، أم يثرب فكانت الألفاظ السائدة فيها (الوطء والركوب و...) وكلها كلمات تجعل من المرأة عنصرًا سلبيًا، بل وتضعها في مكانة البهيمة أحيانًا، ثالثًا هل سمعت من قبل عن امرأة يثربية لها دور تاريخي مثل نساء مكة، خديجة التي تصفها كتب السيرة بأنها كانت برزة، أي تبرز للرجال وتخالطهم وتجالسهم وتتاجر وتحكم، أو كهند بنت عتبة التي اتهمت بالزنا فأقامت الدنيا ولم تقعدها؟؟ رابعًا إن التعدد كان شائعًا بالمدينة على عكس مكة، فكيف يكون أكثر تطورًا فيما يخص المرأة؟
بالنسبة لزيجات محمد فهو لم يخف ولعه بالنساء، وهذا ما جعلني أرى في زيجاته جانبًا دعائيًا أيضًا، أما عن سن القوانين لقمع المرأة المدنية فلا أرى ما يبرره، وأعتقد أنه سن قوانين متسقة مع مجتمع المدينة الأقل تطورًا من مجتمع مكة.
أوافقك أنه يجب فهم أفعال محمد في سياقها التاريخي العام، وأحاول دائما أن أعي ذلك، ولكن لا تنسى أن تأليه أيديولوجية محمد يخرجها ضرورة عن السياق التاريخي . ولهذا فأنا شخصيا أهاجم محمد النبي الذي يمشي بيننا ويعيش في بيت كل واحد منا في أيامنا هذه
يحق لك محاكمة محمد النبي الذي يمشي بيننا ويدخل بيوتنا رغمًا عنا، ويحق لك الهجوم عليه ونقده كيفما شئت، ولكن إن كان نقدك مبنيًا على هذا الوعي التاريخي من جانب وعلى حس وجودي من جانب آخر سيكون نقدك حجرًا في بناء مجتمع أجمل، ولو كان غير ذلك سيكون حجرًا تقذفه في وجوه الجميع، ولا أظن أن هذا هدفك.
المنظومة الحضارية التي نشأت في الديار الواقعة تحت حكم الإسلام نشأت "رغما عن أنفه" ولم تنبثق منه (النقل فوق العقل زميلي العزيز) ، وللأسف فإن الأسلام هو الذي وقف باستمراركالعقال الفعال ليمنع هذه المنظومة الحضارية من الإفلات والنمو والإزدهار. ولهذا فإن وضعنا المتردي له علاقة قوية جدا بالإسلام. وقد كان لفشل الإسلام الذريع في منع العرب والمسلمين من تطوير نظام حكم جماعي أثر هدام كبير في هدر طاقات الشعوب المسلمة الحضارية وبنفس الأهمية في هدر مواردها الطبيعية المحدودة (مقارنة بالبلدان الأوربية). وما نراه حاليا في دول الخليج المبينة إلى حد كبير على النسق الإسلامي في نظام الحكم لأكبر دليل على ذلك
سؤال جديد تمامًا، عن أي قراءة للإسلام تتحدث؟

لقد تطلب نفي المسيحية من السيطرة على أجهزة الدولة الخوض في حروب أهلية هائلة في أوروبا لا يمكن خوضها في القرن الواحد والعشرين. والعراق حاليا خير شاهد على ذلك ، فبالرغم من هول ما نراه يوميا من أحداث القتل الجماعي ، فإن وضع العرب والمسلمين المغرق في الضعف ، "وتقلص حجم الأرض" نتيجة للتقدم العلمي لن يسمح بنتيجة مماثلة لما حدث في أوروبا أن تحدث في العراق أو في غيرها من الدول العربية والمسلمة. ولهذا فإن المشكلة تكمن في أن وضع الإسلام الحالي لن يسمح بتغيير "القراءة السائدة في تفسيرنا للأمور"
أوافقك في المقدمة وأختلف معك حول النتيجة، فالقراءة السائدة للإسلام فعلاً تتغير، بدليل ظهور جماعات جديدة\قديمة، وبدليل ظهورنا نحن أنفسنا.
نهاية فإن ما تصفه بالمراهقة الكبيرة هنا قد يكون كذلك ولكن كيف تطلب منا أن نحلل بطريقة موضوعية عالية المستوى ما نراه حاليا على الساحة الإسلامية؟ هل سمعت بالفتوى الأزهرية الأخيرة عن رضاعة الكبير؟
لا أعرف لماذا قلت (كيف تطلب منا ...) بصيغة الجمع، فأنت لست معنيًا بهذا الأمر نهائيًا، وقد سبق وعبرت عن رأيي وإعجابي بطريقتك التي أصنفها كإبداع وليس كنقد تقليدي، والإبداع لا يحاكم بمعايير محاكمة النقد، ولا أعرف أين قلت أنني ضد الأسلوب الساخر، ولكن هل هذا الأسلوب يشبه الاستهزاء والاستخفاف العلمي والإنساني الذي نراه منتشرًا الآن؟؟
يا عزيزي لا يهم أن نختلف سواء جوهريًا أو جزئيًا، ولكن يهمني ألا أحزنك بسبب هذا الاختلاف، وأرجو المعذرة إن كان طرحي الأول غير واضح بشكل كافي.
